المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الفنان خوجلي هاشم


مجموعة المهاجرين
08-12-2014, 02:52 PM
الفنان خوجلي هاشم

سبق أن ذكرت ارتباط الأغنية العطبراوية بالفنان العملاق حسن خليفة العطبراوي وما جره ذلك من مفهوم نمطي ضاعت معه الكثير من الحقائق في مسيرة الأغنية العطبراوية وغمط بعض المبدعين الآخرين حقهم في تعرف الآخرين عليهم0

ولذلك شرعت في - في محاولة متواضعة- لنفض الغبار عن بعض التجارب الإبداعية التي صاغت الوجدان العطبراوي بإبداعاتها القوية0 كنت حريصا أن أشير على هؤلاء الذين كانت الخصوصية هي ديدن تجربتهم ولم ينجرفوا بكلياتهم نحو التقليد، ولذا كانوا إضافة حقيقية في مسيرة الإبداع العطبراوي0 وللحق كان حسن خليفة العطبراوي هو أول من خط هذا المسار. فحتى حينما أجبر العاصمة على سماع صوته تم ذلك وفق خصوصية تجربته على المستويين "الغناء الوطني والعاطفي"0 خوجلي هاشم في هذا السياق يمثل مرحلة متقدمة في مسيرة الأغنية العطبراوية وذلك من خلال الإضافة النوعية التي أسبغها على المستويين الشعري واللحني للأغنية ، وهذا ما سوف نتطرق إليه لاحقاً.

ظهر الفنان خوجلي هاشم إلى حيز الوجود الإبداعي - تقريبا - في بواكير عام 87 من القرن الماضي ،وكان وقتها ابن السابعة عشرة من عمره يافعاً يصدح ببعض الأغنيات المألوفة مثل بعض أغاني الحقيبة "طبعاً أهواك وأنا أرضى هلاكي" ، أو "جسمي انتحل" للفنان ابوعركي البخيت00 وغيرها من الاغاني0 كانت بالطبع بدايات عادية، إلا أن اكثر ما لفت الأنظار نحو هذا الفتى اليافع هو جمال صوته وقوته في آن0 كان مزيجا من التطريب والشجن0 له قدرة فذة على اختراق الوجدان وإثارة مكامن الشعور الحية0 كان من الواضح أنه يبشر بموهبة واعدة فوق التصور والاحتمالات، ولذلك لم يلبث أن باغت أهل عطبرة بأغنية كان قدرها أن تهز كيان وقارهم وتزلزل أعماق مشاعرهم، كانت هي أغنية "لمن دنت ساعة الوداع" ولا يستطيع الشخص مهما أوتي من بلاغة أن يصور مدى تأثير هذه الأغنية وقتها على الشارع العطبراوي ولا يلم بمقدار حفرها عميقا في الوجدان العطبراوي إلا من عاصرها وقتها0 كانت بالفعل أغنية غريبة ممعنة في الشجن واللوعة0 ورغم أن كلماتها بسيطة ومباشرة إلا أنها كانت من الصدق والشفافية بحيث أنها شكلت زلزال عاطفي وقتها0 خلقت هذه الأغنية وما تلاها من أعمال حالة من الحميمية بين خوجلي كفنان واعد وجمهور عطبرة الذواق 0 ولفتت موهبته المبكرة أنظار المهتمين بالإبداع والأغنية في عطبرة ولذلك تحلقت حوله شلة من الشعراء الشباب والعازفين المخضرمين والشباب أيضا0 كان هناك إحساسا عاماً بان خوجلي موهبة استثنائية ولدت لتعمق مسيرة الأغنية العطبراوية من حيث أنها تتويج لمسيرة الخصوصية التي شكل ملامحها العطبراوي كما أبنا من قبل0

صادف كل ذلك جيل من الشعراء المبدعين وملحن بارع اصبح في ما بعد توأم التجربة الفذة ألا وهو الملحن وعازف الكمان "عاكف حسن عدلان"0 ويمثل عاكف تجربة لحنية رائدة ومتفردة في مسيرة الأغنية العطبراوية. تجربة مفارقة للسائد والمألوف هو رائدها بلا شك0 وهي تجربة حتى على مستوى غناء المركز تعتبر متميزة بشهادة الكثير من المحايدين والمحسوبين – في ذات الوقت – على المجال الابداعي0 وينحدر عاكف من أسرة فنية معروفة، إذ هو الشقيق الأصغر للكاتب والممثل والمخرج المسرحي ذو الفقار حسن عدلان، والذي وهو فوق ما ذكرنا عازف كمان بارع وملحن مقتدر.

باكتمال هذا الضرب من المبدعين تحول دار اتحاد الفنانين بعطبرة إلى ورشة عمل إبداعي ضخمة لا تكاد تتوقف فيها البروفات0 ظهر الشاعر الكبير السر عبد القادر قادماً من الزيداب يحمل في معيته بعض النصوص الشعرية التي أصبحت فيما بعد جزءاً لا يتجزأ من الوجدان العطبراوي "بتدوري لوين الغناء 00 بتدوري لوين منتهاه" ، "الكنت قايلوا فات زمان 00 رجعته بطعم الغناء" 0 وهي أغنية شهيرة على مستوى الوجدان القومي بفرادتها أولاً وبما صاحبها من جدل تمثل في قرصنة الفنان محمود عبد العزيز وبعض الذين حوله من تجار شركات الإنتاج الفني بالخرطوم عليها0 وهناك الكثير من الأغنيات التي تتالت من السر عبد القادر لا تسعفني الذاكرة الآن لسردها ، ولكن من المهم التأكيد بأن الشاعر السر عبد القادر له قدر لا يستهان به في توطيد بناء هذه التجربة0 وهو شاعر يحتاج إلى مساحة خاصة به لعكس تجربته الإبداعية في مجال الشعر الغنائي0 توالى الإبداع وتتداعى الشعراء من مختلف المدارس للإسهام في الارتقاء بهذه التجربة مأخوذين بهذا السحر الدفاق الذي سكن حنجرة الفنان خوجلي هاشم0 وتمضي الأيام وخوجلي يزداد تألقاً ورسوخاً ويفعل فعله في الوجدان العطبراوي وذاكرته الجمعية0 ويتألق عاكف يوماً بعد يوم كملحن لا يشق له غبار وصاحب تجربة متفردة على مستوى المفردة اللحنية وتتوالى الإبداعات لشعراء متفردين كأمثال معاوية عثمان الطيب ، أو معاوية "الشوش" – كما يعرف في الغالب- صاحب الأغنية الضجة (لمن دنت ساعة الوداع ما شفتوا كيف عيني بكن) وكذلك "شفتك غيمة تسابق غيمة 00 تملأ فراغ الدنيا فراغ" ، والشاعر زكريا عوض في رائعته "بتأملك زي السحابة تمري تبخلي بالسلام" وهي الأغنية المشهورة باسم "يا كرنفالات" وهناك الشاعر عادل سعد "عتقني يا عشق البنفسج"0 ولم يتخلف عن الركب حتى هؤلاء العمالقة الذين تركوا بمصاحبة الراحل العظيم مصطفى سيد أحمد بصماتهم واضحة في وجدان الإنسان السوداني بشكل عام ، فهاهو الشاعر قاسم أبوزيد يرابط بدار اتحاد الفنانين يرعى هذه الموهبة المتفردة ويسهم في إنضاجها فينتجان بمصاحبة الملحن عاكف أغنية "الراكوبة" الشهيرة والتي كانت في بواكير عهد الإنقاذ، ووقتها تعرض خوجلي لمضايقات أمنية شديدة وأصبحت حفلاته مستهدفة من قبل أجهزة النظام القمعية0 لم يزد ذلك خوجلي إلا ثباتاً ورسوخاً0 وتسابق العطبراويون محبة في دعمه ولم يتخلف عن الركب حتى المبدعين الذين يقاسمونه المنافسة الإبداعية، فها هو الفنان الشعبي محمد سعدان يهديه "يا زمن لوين مسيرنا 00 ويا طريق لوين تنتهي" من كلمات المبدع المنعم عقارب0 وهي أغنية لها ما لها في الوجدان الجمعي العاشق لهذا المبدع. وكذلك الفنان محي الدين محمد صالح والذي أهدى خوجلي بدوره واحدة من أجمل الأغاني التي تغنى بها في مسيرته الفنية وهي "يا هوى وحياتك قلبي جريح" 0 هذا فضلاً عن التفاق الضمني بين جميع روابط أبناء عطبرة بالجامعات والروابط في الخرطوم على أن يكون خوجلي هو سفيرهم في كل حفلاتهم التي كانوا يقيمونها. أثمر كل هذا الحشد والتأييد تجربة غنائية ضخمة في سنوات لم تتجاوز أصابع اليد الواحد0 وان شئنا الدقة نجد أن الفترة من 1987- 1993 كانت تمثل قمة سنوات العطاء والنضج لفتى حتى تلك اللحظة كان يبلغ من العمر 22 عاماً فقط. كانت بالفعل تجربة ثرة وغير مسبوقة توافرت لها كل عناصر النجاح. والمدهش في الأمر هو هذا الاحتفاء غير العادي الذي كانت تجده أغنية خوجلي من كل الأجيال0 فما من أغنية جديدة تطل على الجمهور في الحفلات حتى تجد طريقها للقلوب والآذان ويصبح صداها هو الطاغي. وخوجلي نفسه بات فتى المدينة "المدلل" ومسار حسد الكثيرين، وحلم الشباب من أقرانه!!0 فترة وجيزة أنجز فيها خوجلي ما يزيد عن الثلاثين أغنية لعدد من الشعراء مختلفي المذاهب وملحن بارع متفرد، هو عاكف حسن عدلان، وعلى سبيل المثال لا الحصر: "سافر نسى"، "زمنك شال أحزان الغيمة وجاب أفراح العمر الوردي" ، "بجي الزمن المنضد بغناء الدلوكة والنمه" 000 وعشرات الأغاني المحفورة عميقاً في وجدان كل من عاصرها. أهم ما يميز خوجلي – إضافة لصوته- هو تلك المقدرة الفذة على استشفاف القصائد ذات الصور الجمالية المتفردة والألحان المتميزة، وربما كان محظوظاً بتوفر كم هائل من المبدعين كانوا حريصين على الوقوف بجانبه ورفده بخبراتهم في هذه السن المبكرة.
كل ذلك والكثير مما يعجز القلم عن الإتيان به في وصف مسيرة هذا العبقري "الصغير"، لم يكن كافياً، لكي يمنعه من أن يباغت الناس ويرحل فجأة إلى السعودية دون سابق انذار0 إنها واحدة من اللحظات الكارثية في مسيرة خوجلي وباعترافه نفسه في آخر مرة التقيته فيها بعد عودته مؤخراً من هناك بعد أن أمضى 6 سنوات عجاف، جعلته يحتاج إلى الوقوف مرة أخرى على قدميه وفي ظروف بالغة الصعوبة أهم ملامحها انحطاط عام طال كل مناحي الحياة في السودان. يقول خوجلي عن أسباب هذا الرحيل هو الإحباط الذي عايشه في سنوات الإنقاذ الأولى حيث أصبح التحرش بالفنانين في الحفلات شيئاً مألوفاً والتهديد بجلدهم هو السمة السائدة والتضييق عليهم من كل ناحية واتجاه هو الديدن0 كل ذلك صحيح، ولكن في رأي أن المجازفة بهكذا رحيل ما هي إلا واحدة من حالات النزق والقلق المصاحب دوماً لكل صاحب موهبة مبكرة. فخوجلي الذي تعرض إلى مضايقات لا تحتمل اكتملت بسجنه، أثبت شجاعة وبطولة نادرتين، زادت من تعاطف الناس معه، وخرج من محنته أقوى مما كان، والناس حوله أكثر التفافا من ذي قبل، فضل فجأة الرحيل تاركاً خلفه تجربة إبداعية احتفى بها الناس أيما احتفاء مخلفاً الكثير من علامات الاستفسار والحزن لكل من حبوه وعقدوا آمالاً عريضة في رهان الحرب الثقافية بين المركز والهامش!!0
قد يقول قائل بعد هذا السرد الطويل، لماذا لم تجد تجربة بهذا الوصف طريقها مرصوفا إلى إعلام المركز حيث الشهرة والانتشار؟ وأي قوة منحازة يمكنها أن تقف في وجه تجربة بهذا التفرد؟ من الصعوبة بمكان الإجابة بسهولة على مثل هذا السؤال، لأن الأمر يشوبه كثير من التعقيد. ولكن على صعيد الموهبة والاستحقاق، كنت حريصا جدا على استيساقهم من الأطراف المحايدة بغية انتفاء شبة الانحياز الأعمى. في هذا الصدد، هناك الكثير ممن ثمنوا من هذه الموهبة0 فالفنان الكبير أبو عركي البخيت له رأي واضح فيه، إذ وصفه يوماً ،بعد أن التقى به واستمع إليه، بأنه أفضل موهبة شابة لفتت انتباهه منذ أكثر من عشرين عاماً 0الأخ الشاعر الكبير عاطف خيري لديه قصة مثيرة طالما حكاها لي في سياق إعجابه اللامحدود بخوجلي هاشم. ذكر لي عاطف: "انهم كانوا مدعوين يوماً إبان دراستهم في معهد الموسيقى والمسرح – أوائل التسعينات- بجلسة استماع ضمت الجميع بما فيهم عميد المعهد ، وإذا بالشاعر قاسم أبو زيد يأتي مصطحباً فتىُ يافعاً متأبطاً عوده... ويتابع عاطف بأن خوجلي غنى "بتأملك زي السحابة تمري تبخلي بالسلام" بشكل جعل الوجوم والدهشة تحيط بالجميع دون استثناء، وفور انتهاء جلسة الاستماع،دار سؤال مهم بين الجميع: كيف يمكن أن يكون هذا معهداً للإبداع وفتىً بهذه الموهبة خارجه!!. الشاعر والقاص المعروف يحيى فضل الله العوض،وفي "نسه" معه على الهاتف، تطرق الحديث إلى الفنان خوجلي، وقال لي أنه محبة في هذا الفتى فقد سافر شخصياً ومعه الشاعر قاسم أبوزيد إلى عطبرة بالقطار يحملان خطابا رسمياً بتوقيع رئيس الجمهورية يأمر بالإفراج عن خوجلي فوراً أبان محنة سجنه!!. هذا على مستوى الشهادات المحايدة، أما على مستوى الاعتراف الرسمي، فخوجلي حقق اعترافا رسميا بموهبته في عام 1988 عندما اجتاز امتحان إذاعة أمد رمان الرسمي وصنف فناناً مجازاً من الدرجة الأولى بالهيئة القومية للإذاعة والتلفزيون كأصغر مبدع ينال هذا الشرف،وذلك قبل أن تفقد مثل هذه الأجهزة الرسمية "وقارها" في زمن الإنقاذ.

ما ذكر أعلاه في حق خوجلي لا محالة يزيد من تعقيدات الإجابة على السؤال المطروح، ويبعدنا مسافات عن الإجابة السهلة المريحة0 لست من عشاق نظرية المؤامرة، ولا أريد أن أقول أن "الخرطوم لا تبرز محاسنها إلا لمن يدفع أكثر" !! كما كان يردد صديقي الهادي حسن!!. و"يدفع أكثر" في إحدى صورها هي تسول الفرصة في مكاتب المركز، وهذا ما المح إليه خوجلي في حديث لي معه، حين قال: أنه يملك رصيدا من الأغنيات ومسيرة من العطاء تمنعه من "شحدة" الفرصة أو مطاردة من بيدهم الأمر.

ما يهم الآن أن خوجلي عاد بعد غياب طويل – كما أبنا- وهو يعلم أن هناك قطيعة تاريخية حادثة لم تطاله هو لوحده بقدر ما طالت كل مسيرة الفن السوداني. وأن إزالة آثار القبح والانحطاط باتت تحتاج إلى جهود أكبر وتحديات عظيمة، أقل ما فيها هو أن يكافح لكي يعيد صلته بالمجتمع الذي رعاه يوماً وآزره كأشد ما يكون التآزر، ووقتها يمكن أن يتفاءل "العطبراويون" بأنه قادر على أن يسمع صوته الآفاق بعد أن اكتسب خبرة السنين ونضج التجارب.

الحلقة القادمة.. التشجيع الكروي بعطبرة، مهرجانات فرح لا تنتهي


عبد الخالق السر/ ملبورن
5/8/2005م

منقول من منتدي سودان للجميع